سيف الدين الآمدي

260

أبكار الأفكار في أصول الدين

وأيضا ما روى أن رجلا أتاه فسأله عن معنى قول الله تعالى : وَالذَّارِياتِ ذَرْواً « 1 » ، وعن : وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً « 2 » ، وعن وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً « 3 » فعلاه بدرّته ، ثم أمر به فحبس ، فجعل يخرجه في كل يوم ، فيضربه خمسين جريدة مدة أيام ، ثم نفاه إلى البصرة ، وأمر أهل البصرة أن لا يجالسوه ولا يعاملوه ، ومن المعلوم أنه لم يكن في السؤال عن ذلك مما يوجب هذا « 11 » / / الأمر ، وإنما فعل ذلك ؛ ليسد عليه باب السؤال ؛ لأنه كان جاهلا بالقرآن ، وما يتعلق به « 4 » . وأما أنه كان جاهلا بالأحكام الشرعية : فيدل عليه أمور سبعة : - الأول : ما روى : « أن رجلا من اليهود أصيب مقتولا في سكك المدينة ؛ فخطب عمر بالناس ، وناشدهم بالله ، فقام إليه رجل معه سيف مضرج بالدم وقال : يا أمير المؤمنين ، إن أخي خرج غازيا في جيش ، وخلفني في أهله أتعهدهم ، وإني أتيت منزله ، فإذا أنا بهذا اليهودي ، قاعد مع أهله ؛ فلم أملك نفسي أن دخلت إليه ؛ فضربته بهذا السيف حتى برد ، فقال : عمر : « اقتل وأنا شريكك » « 5 » وذلك منه جهل بأحكام الشرع ، حيث أنه أهدر دما محرما ، بمجرد قول المقر بالقتل ، ولم يقم عليه الحد ، بقذف امرأة أخيه . الثاني : أنه همّ أن يرجم حاملا ، فقال له معاذ : « وإن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على حملها » « 6 » ؛ فأمسك وقال : « لولا معاذ « 7 » لهلك عمر » .

--> ( 1 ) سورة الذاريات 51 / 1 . ( 2 ) سورة النازعات 79 / 1 . ( 3 ) سورة المرسلات 77 / 1 . ( 11 ) / / أول ل 176 / أمن النسخة ب . ( 4 ) وردت هذه الرواية بألفاظ مختلفة في سيرة عمر ص 108 ، 109 ، وسنن الدارمي 1 / 54 ، 55 ، وتفسير ابن كثير 4 / 232 . ( 5 ) ورد في رواية أخرى : « لا يقطع الله يدك كما جاءت بألفاظ أخرى في روضة المحبين لابن القيم ص 301 . ( 6 ) انظر : الإصابة 3 / 427 ، وفتح الباري لابن حجر 12 / 128 . ( 7 ) معاذ بن جبل بن عمرو أوس الأنصاري الخزرجي : أبو عبد الرحمن صحابي جليل . كان أعلم الأمة بالحلال والحرام . وكان أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم أسلم وهو فتى ، وشهد العقبة مع الأنصار السبعين وآخى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بينه وبين جعفر بن أبي طالب . قال عنه رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - : « أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل » وبعثه رسول الله قاضيا ومرشدا لأهل اليمن وقال في كتابه لهم « إني بعثت لكم خير أهلي » . كان مولده سنة 20 قبل الهجرة ، ووفاته سنة 18 ه توفى في طاعون عمواس بعد أن استخلفه أبو عبيدة ، وأقره عمر ؛ ولكنه مات في نفس العام الّذي مات فيه أبو عبيدة بن الجراح . رحمه الله ورضى عنه . [ حلية الأولياء 1 / 228 ، وصفة الصفوة 1 / 183 - 188 ترجمة رقم ( 51 ) ، الأعلام للزركلي 7 / 258 ] .